ابن أبي الحديد
69
شرح نهج البلاغة
وروى محمد بن إسحاق ( 1 ) قال : لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله زيدا وجعفرا سكت عن عبد الله بن رواحة حتى تغيرت وجوه الأنصار ، وظنوا أنه قد كان من عبد الله بعض ما يكرهون ، ثم قال : أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل شهيدا ، ثم قال : لقد رفعوا لي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير ابن رواحه ازورارا عن سريري صاحبيه ، فقلت لم هذا ؟ فقيل لأنهما مضيا ، وتردد هذا بعض التردد ، ثم مضى . قال : وروى محمد بن إسحاق أنه لما أخذ جعفر بن أبي طالب الراية قاتل قتالا شديدا حتى إذا لحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ، ثم قاتل القوم حتى قتل ( 2 ) ، فكان جعفر رضي الله عنه أول رجل عقر فرسه في الاسلام . قال محمد بن إسحاق : ولما أخذ ابن رواحة الراية جعل يتردد بعض التردد ، ويستقدم نفسه يستنزلها ( 3 ) ، وقال : أقسمت يا نفس لتنزلنه * طوعا وإلا سوف تكرهنه ما لي أراك تكرهين الجنة * إذ أجلب الناس وشدوا الرنة ( 4 ) قد طالما قد كنت مطمئنة * هل أنت إلا نطفة في شنه . ( 5 ) ثم ارتجز أيضا فقال : يا نفس إلا تقتلي تموتي * هذا حمام الموت قد صليت
--> ( 1 ) سيرة ابن هشام 3 : 436 . ( 2 ) بعدها في ابن هشام 3 : 434 ، وهو يقول : يا حبذا الجنة واقترابها * طيبة وباردا شرابها والروم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها * علي إذ لاقيتها ضرابها * ( 3 ) ابن هشام : " يستنزل نفسه " . ( 4 ) أجلب الناس : اختلطت أصواتهم وضجوا . ( 5 ) النطفة : القليل من الماء الصافي . والشنة : القربة الخلق .